الشيخ محمد رشيد رضا

151

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

في كلمة « الرؤية » فأثبتها أهل الأثر لدلالة ظواهر القرآن ونصوص الأحاديث عليها ، ومنعوا قياس رؤية الباري تعالى على رؤية المخلوقات ، بدعوى استلزامها التحيز والحدود وغير ذلك من صفات الأجسام ، وقالوا اننا لا نبحث في كيفية ذاته ولا صفاته تعالى ، فإننا نجزم بأن له علما وقدرة وسمعا وبصرا ، ولكن علمه ليس ناشئا كعلمنا عن انطباع صور المعلومات في النفس ، ولا مكتسبا له بالحواس أو الفكر ، وكذلك قدرته وسائر صفاته ، فنحن نجمع بين الايمان بالنصوص في أسماء اللّه وصفاته وأفعاله وسائر شؤونه ، وبين تنزيهه عما لا يليق به من مشابهة خلقه ، الممنوعة بدلائل النقل والعقل ، كما قال عز وجل ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) ونفاها ( بعض ) أهل الكلام والفلسفة بناء على قياس الخالق سبحانه وتعالى على المخلوق ودعوى منافاة الرؤية للتنزيه ، الذي هو أصل العقيدة وركنها الركين . ولكنهم لا يستطيعون انكار الحقيقة التي أثبتها أهل السنة والجماعة إذا عبر عنها بغير لفظ الرؤية ، كأن يقال إن أعلى نعيم أهل الجنة لقاء اللّه تعالى بتجليه عليهم تجليا يحصل لهم به أعلى ما استعدت له أنفسهم وأرواحهم من المعرفة ، وان أعظم عقاب لأهل النار حجبهم عن ربهم وحرمانهم من هذا التجلي والعرفان ، الخاص بدار الكرامة والرضوان . فإنهم لا يعتنون بتأويل مثل قوله تعالى في المتقين ( تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ ) وقوله في الكافرين ( كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ) كما يعتنون بتأويل قوله ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ ) بأن النظر معناه الانتظار والرجاء ، وما رد به بعضهم على بعض في الآية يطلب من الكشاف والبيضاوي وحواشيهما وسائر كتب التفسير ومن كتب الكلام وشروح الأحاديث « * » وكم بين حذاق الجدال تنازع * وما بين عشاق الجمال تنازع ومن غرائب جدلهم أن كلا منهم يستدل على مذهبه بطلب موسى عليه السّلام رؤية ربه وقوله تعالى ( لَنْ تَرانِي . . ) الآية . فأهل السنة يستدلون

--> ( * ) قد عدنا فبينا آنفا لباب الخلاف ، وأهم دلائل الفريقين مع الانصاف